ابن كثير
129
البداية والنهاية
من الطرقية ، فقال لي : ابشر ، فلم ألتفت إليه ، فتقدم إلي حتى أخذ بلجام فرسي ثم قال لي : أنت مهموم ، ليفرجن الله همك ولتمرن غدا في هذا الموضع واللواء بين يديك ، فإن كان ما قلت لك حقا فلي عليك خمسة آلاف . فقلت : نعم . ولو قال خمسون ألفا لقلت نعم ، لبعد ذلك عندي . وذهبت لشأني ، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثمائة ألف فورد الخبر إلى المنصور بانتقاض الموصل وانتشار الأكراد فيها ، فاستشار المنصور الأمراء من يصلح للموصل ؟ فأشار بعضهم بخالد بن برمك ، فقال له المنصور : أو يصلح لذلك بعد ما فعلنا به ؟ فقال : نعم ! وأنا الضامن أنه يصلح لها ، فأمر بإحضاره فولاه إياها ووضع عنه بقية ما كان عليه ، وعقد له اللواء ، وولى ابنه يحيى أذربيجان وخرج الناس في خدمتهما . قال يحيى : فمررنا بالجسر فثار لي ذلك الزاجر فطالبني بما وعدته به ، فأمرت له به فقبض خمسة آلاف . وفي هذه السنة خرج المنصور إلى الحج فساق الهدي معه ، فلما جاوز الكوفة بمراحل أخذه وجعه الذي مات به وكان عنده سوء مزاج فاشتد عليه من شدة الحر وركوبه في الهواجر ، وأخذه إسهال وأفرط به ، فقوي مرضه ، ودخل مكة فتوفي بها ( 1 ) ليلة السبت لست مضين من ذي الحجة ، وصلي عليه ودفن بكدا عند ثنية باب المعلاة التي بأعلا مكة ، وكان عمره يومئذ ثلاثا وقيل أربعا وقيل خمسا وستين ، وقيل إنه بلغ ثمانيا وستين سنة فالله أعلم . وقد كتم الربيع الحاجب موته حتى أخذ البيعة للمهدي من القواد ورؤوس بني هاشم ، ثم دفن . وكان الذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي ( 2 ) ، وهو الذي أقام الناس الحج في هذه السنة . ترجمة المنصور هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر المنصور . وكان أكبر من أخيه أبي العباس السفاح ، وأمه أم ولد اسمها سلامة . روى عن جده عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه " أورده ابن عساكر من طريق محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن أبيه المنصور به ، بويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة ، وعمره يومئذ إحدى وأربعون سنة ، لأنه ولد في سنة خمس وتسعين على المشهور في صفر ( 3 ) منها بالحميمة من بلاد البلقاء ، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنة إلا أياما ( 4 ) ، وكان أسمر
--> ( 1 ) نزل الأبطح عند بئر ميمون ( الطبري - ابن الأثير - الاخبار الطوال - مروج الذهب ) . ( 2 ) في ابن الأثيري 6 / 21 والطبري 9 / 293 والاخبار الطوال ص 385 : صلى عليه عيسى بن موسى . ( 3 ) في مروج الذهب 3 / 344 : في ذي الحجة . ( 4 ) في مروج الذهب 3 / 344 : إلا تسعة أيام . وقال ابن الكلبي : إلا أربعة وعشرين يوما . وقال الواقدي : إلا ستة أيام . وقال أبو معشر : إلا ثلاثة أيام . وقال ابن الأعثم 8 / 239 : إلا سبعة أيام .